سعيد حوي
302
الأساس في التفسير
أبي زهير الثقفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم » قالوا : بم يا رسول الله ؟ . قال : « بالثناء الحسن والثناء السيئ أنتم شهداء الله في الأرض » ورواه ابن ماجة والإمام أحمد . ثم علل تعالى لاعتماد بيت المقدس أولا ، والانتقال إلى الكعبة ثانيا بقوله : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ . وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أي : إنما شرعنا ذلك يا محمد : التوجه أولا إلى بيت المقدس ، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ؛ ليظهر حال من يتبعك ويستقبل معك حيثما توجهت ، ممن ينقلب على عقبيه أي : مرتدا عن دينه وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً أي هذه الفعلة وهي صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة إنه لعظيم شاق على النفوس ، إلا على الذين هدى الله قلوبهم وأيقنوا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه . وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء . فله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك . بخلاف الذين في قلوبهم مرض فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا . كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق . . وفي الحكمة التربوية التي نصت عليها الآية تعليلا لتحويل القبلة إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ يقول صاحب الظلال : « وكما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله ، وتجريدها من التعلق بغيره ، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة ، المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية على العموم . . . فقد نزعهم نزعا من الاتجاه إلى البيت الحرام ، واختار لهم الاتجاه - فترة - إلى المسجد الأقصى ؛ ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية ، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية ، وليظهر من يتبع الرسول اتباعا مجردا من كل إيحاء آخر . اتباع للطاعة الواثقة الراضية المستسلمة ، ممن ينقلب على عقبيه ؛ اعتزازا بنعرة جاهلية ، تتعلق بالجنس والقوم ، والأرض والتاريخ ، أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير أي تلبس من قريب أو من بعيد . . . حتى إذا استسلم المسلمون ، واتجهوا إلى القبلة التي وجههم إليها الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الوقت ذاته بدأ اليهود يتخذون من هذا الوضع حجة لهم ، صدر الأمر الإلهي الكريم بالاتجاه إلى المسجد الحرام . ولكنه ربط قلوب المسلمين بحقيقة أخرى بشأنه هي حقيقة الإسلام . حقيقة أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون خالصا لله ، وليكون تراثا للأمة المسلمة التي نشأت تلبية لدعوة إبراهيم ربه أن يبعث في بنيه رسولا منهم ، بالإسلام الذي كان عليه